عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
460
اللباب في علوم الكتاب
مجهودا ، فسأله عن حاله فقال : تحرجت من أكل طعامك بغير إذنك ، فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية « 2 » . والمعنى : ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا من غير أن تتزودوا وتحملوا « 3 » . يحكى أن الحسن دخل داره وإذا حلقة « 4 » من أصدقائه وقد أخرجوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص « 5 » وأطايب الأطعمة مكبون « 6 » عليها يأكلون ، فتهلل أسارير وجهه سرورا وضحك ، وقال : « هكذا وجدناهم » يعني : كبراء « 7 » الصحابة « 8 » . وعن ابن عباس : الصديق أكبر من الوالدين ، لأن أهل جهنم لمّا استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات ، بل قالوا : « فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ » « 9 » . وحكي أن أخا الربيع بن خيثم دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل ، فلما قدم أخبرته بذلك ، فانسر لذلك وقال : إن صدقت فأنت حرة « 10 » . فصل : [ في احتجاج أبي حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع ] احتج أبو حنيفة بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع ، لأن اللّه تعالى أباح لهم الأكل من بيوتهم ، ودخولها بغير إذنهم ، فلا « 11 » يكون ماله محرزا منهم . فإن قيل : فيلزم ألا يقطع إذا سرق من مال صديقه ؟ فالجواب : من أراد سرقة ماله لا يكون صديقا له « 12 » . قوله : « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً » قال الأكثرون : نزلت في بني ليث « 13 » بن عمرو حي من كنانة ، كان الرجل منهم لا يأكل وحده ، ويمكث يومه حتى يجد ضيفا يأكل معه ، فإن لم يجد من يؤاكله لم « 14 » يأكل شيئا ، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح إلى الرواح « 15 » ، وربما كانت معه الإبل الحفل « 16 » فلا
--> ( 1 ) انظر البغوي 6 / 149 . ( 2 ) انظر البغوي 6 / 149 - 150 . ( 3 ) انظر البغوي 6 / 150 . ( 4 ) في النسختين : خلفه . ( 5 ) الخبيص : الحلواء المخبوصة . اللسان ( خبص ) . ( 6 ) في النسختين : مكتوب . والصواب ما أثبته . ( 7 ) كبراء : سقط من ب . ( 8 ) انظر الفخر الرازي 24 / 37 . ( 9 ) [ الشعراء : 100 ، 101 ] . وانظر الفخر الرازي 24 / 37 . ( 10 ) انظر الفخر الرازي 24 / 37 . ( 11 ) في ب : ولا . ( 12 ) انظر الفخر الرازي 24 / 37 . ( 13 ) ليث : مكرر في الأصل . ( 14 ) في ب : لا . ( 15 ) الرواح : نقيض الصباح ، وهو اسم للوقت ، وقيل : الرواح العشي ، وقيل : الرواح من لدن زوال الشمس إلى الليل . اللسان ( روح ) . ( 16 ) حفل اللبن في الضرع يحفل حفلا وحفلا واحتفل : اجتمع ، وحفله هو وحفّله ، وضرع حافل أي : ممتلئ لبنا . اللسان ( حفل ) .